ابن أبي الحديد
57
شرح نهج البلاغة
الأصل : أما بعد ، فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني ، وجموح الدهر علي ، وإقبال الآخرة إلي ، ما يزعني عن ذكر من سواي ، والاهتمام بما ورائي ، غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي - فصدقني رأيي ، وصرفني عن هواي ، وصرح لي محض أمري ، فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب - وجدتك بعضي ، بل وجدتك كلي ، حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني ، وكأن الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ، فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت . الشرح : يزعني : يكفني ويصدني ، وزعت فلانا ، ولا بد للناس من وزعة . وسوى ، لفظة تقصر إذا كسرت سينها ، وتمد إذا فتحتها ، وهي هاهنا بمعنى غير ، ومن قبلها بمعنى شئ منكر ، كقوله : رب من أنضجت غيظا قلبه ( 1 ) * والتقدير : غير ذكر إنسان سواي ، ويجوز أن تكون " من " موصولة ، وقد حذف أحد جزأي الصلة ، والتقدير عن ذكر الذي هو غيري ، كما قالوا في : ( لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ) ، أي هو أشد . يقول عليه السلام : إن فيما قد بان لي من تنكر الوقت وإدبار الدنيا ، وإقبال الآخرة شاغلا لي عن الاهتمام بأحد غيري ، والاهتمام والفكر في أمر الولد وغيره ممن أخلفه ورائي .
--> ( 1 ) بقيته : * تمنى لي موتا لم يطع * والبيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري . المفضليات 198 .